أبي هلال العسكري
190
الوجوه والنظائر
جاء في التفسير أنه أراد بهاتين الآيتين الجزاء ، وكذلك قالوا في قوله تعالى : ( فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) أي : جزاؤه . والأجود أن يفسر على الوجه المعروف ، فيقال : أراد أن عليك أن تبلغهم ، وعلينا أن نحاسبهم ، وفي هذا تهديد شديد ، وهو أيضا يرجع إلى معنى الجزاء ، لأنه إذا حاسبهم جازاهم . الثاني : الحساب المعروف ، قال : ( وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) وأراد بالحساب هاهنا عدد الأيام والأعوام ، ومدد الأعمار والآجال والديون ، وغير ذلك مما يجري مجراه . ولم يعن حساب الأموال وما بسيلها ، وقال : ( سَرِيعُ الحِسَابِ ) ومعنى ذلك أنه إذا أراد حسابهم لم يتعذر عليه ، وفي هذا دليل على أنه ليس بجسم ؛ لأن الجسم يتعذر عليه حساب الجماعات الكثيرة في حال واحدة . وقيل الحساب أن تأخذ ما لك ، وتعطي ما عليك ، والله تعالى قد أحصى الأعمال ؛ فهو يجازي عليها من غير تعذر ولا إطالة . الثالث : بمعنى الكافي ، قال الله : ( عَطَاءً حِسَابًا ) أي : كافيا على ما ذكرنا . ووجه رابع : وهو قوله : ( يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ) قال المبرد : المراد أنه يتجاوز بهم جد ما فعلوا ، وعندنا أن هذا موضوعه للكثرة ، يقال : أعطاه بغير حساب ، أي : أعطاه كثيرا ، وذلك أن الحساب للإحاطة والحصر ؛ وكأنه قد أعطاه عطاء لا يحصر كثرة ، ومثله قوله : ( إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ويجوز أن يكون تفضل عليه ، بغير استحقاق ، والتفضل غير محسوب